قد تبدو التفاصيل الدقيقة في الألعاب أمرًا ثانويًا، خصوصًا في عصر أصبحت فيه العوالم الافتراضية مليئة بالعناصر التي يمكن للاعبين فحصها واختبارها. لكن هناك سؤالًا مهمًا يواجه المطورين دائمًا: متى تصبح التفاصيل وسيلة لتعزيز الانغماس، ومتى تتحول إلى عبء يستهلك وقت التطوير دون فائدة حقيقية؟
كان هذا السؤال حاضرًا بقوة أثناء تطوير The Witcher 3: Wild Hunt، إذ لم يكن هدف CD Projekt Red مجرد تصميم قرى ومدن جميلة، بل بناء عالم يشعر اللاعب بأن سكانه يعيشون حياتهم الخاصة، بدلًا من أن يكونوا مجرد شخصيات موزعة لملء الفراغ.
وفي حديثه مع مجلة Edge، كشف Philipp Weber، أحد أبرز مصممي الألعاب في CD Projekt Red، عن مجموعة من التحديات الطريفة والمعقدة التي واجهها الفريق أثناء محاولة جعل عالم The Witcher 3 يبدو حيًا وطبيعيًا، موضحًا أن فضول اللاعبين ورغبتهم في اختبار حدود العالم جعلت المهمة أكثر صعوبة مما قد تبدو عليه.
هل سكان القرية يعيشون فعلًا فيها؟
بحسب Weber، فإن تصميم قرية صغيرة تضم ثمانية منازل لا يعني ببساطة بناء المنازل ووضع بعض الشخصيات غير القابلة للعب حولها.
فاللاعب قد يبدأ في طرح أسئلة بسيطة لكنها مهمة: هل هؤلاء الأشخاص يعيشون فعلًا هنا؟ ماذا يفعلون طوال اليوم؟ وهل سيتصرفون بطريقة منطقية إذا حدث شيء غير متوقع؟
هذه الأسئلة أصبحت جزءًا أساسيًا من عملية التصميم، لأن اللاعبين يميلون إلى البحث عن التفاصيل التي تكشف ما إذا كان العالم حقيقيًا أم مجرد واجهة مصممة لخداعهم.
ويرى Weber أن بناء قرية صغيرة بالتفاصيل الأساسية أصبح اليوم أسهل بكثير بالنسبة للفريق، ويمكن إنجاز الكثير منه خلال ساعات، لكن الأمر كان أكثر تعقيدًا في الماضي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجعل الشخصيات تتفاعل بشكل منطقي مع تصرفات اللاعب.
عندما هربت الأمهات وتركن أطفالهن!
ومن أكثر الأمثلة طرافة التي كشف عنها Weber خطأ حدث أثناء تطوير نظام تفاعل سكان المدن مع الخطر.
قرر الفريق أن يجعل سكان المدن يهربون عندما يبدأ Geralt باستخدام حركات قتالية وسط الشوارع. الفكرة تبدو منطقية: بمجرد ظهور الخطر، يترك السكان ما يفعلونه ويحاولون الابتعاد.
لكن المشكلة كانت أن النظام لم يكن قادرًا على فهم بعض التفاصيل الدقيقة.
فالنساء اللواتي كن يحملن أطفالًا تلقين أمر الهروب نفسه، لكن اللعبة لم تتعامل مع الأطفال كجزء من عملية الهروب. والنتيجة كانت غريبة للغاية: النساء يهربن بينما يتركن الأطفال خلفهن!
وبحسب Weber، استمر هذا الخطأ لعدة أسابيع، وكانت بعض الأمهات في شوارع The Witcher 3 يسقطن الأطفال واحدًا تلو الآخر أثناء محاولتهن الفرار من Geralt.
قد يبدو الأمر مضحكًا عند النظر إليه اليوم، لكنه يوضح مدى صعوبة بناء عالم افتراضي قادر على التعامل مع تصرفات اللاعب بطريقة طبيعية ومنطقية.
لا نريد أن نرسم مسارًا لكل شخصية
ولجعل المدن تبدو أكثر حيوية، لم تعتمد CD Projekt Red على إعطاء كل شخصية مسارًا ثابتًا تسير عليه طوال اليوم.
بدلًا من ذلك، حصلت الشخصيات على مجموعة من نقاط الاهتمام، ثم ترك الفريق نظام تحديد المسار يقرر كيفية انتقالها من مكان إلى آخر.
ويضرب Weber مثالًا بميناء Novigrad، حيث كان من الممكن أن يكون هناك نحو 50 بحارًا نشطًا في الوقت نفسه، بينما وفر المطورون لهم قرابة 200 نقطة اهتمام مختلفة.
هذا الأسلوب يمنع جميع الشخصيات من التصرف بالطريقة نفسها أو سلوك المسار ذاته في الوقت ذاته. وبفضل تعدد الخيارات، تبدو حركة السكان أكثر عشوائية وطبيعية، وكأن لكل شخص روتينه الخاص.
وهذه واحدة من الحيل البسيطة التي تساعد على خلق وهم بأن المدينة تستمر في الحياة حتى عندما لا يكون اللاعب يراقبها.
التفاصيل وحدها لا تصنع عالمًا حيًا
لكن بناء عالم مقنع لا يعتمد بالكامل على الأنظمة البرمجية.
في بعض الأحيان، يمكن لتفصيل صغير صُمم يدويًا أن يكون أكثر تأثيرًا من مئات الأسطر البرمجية. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في Cyberpunk 2077، التي قدمت شخصيات غير قابلة للعب مليئة بالتفاصيل، إلى جانب مواقف صغيرة صُممت بعناية لتمنح بعض الشخصيات إحساسًا بأنها تعيش حياتها الخاصة، حتى عندما لا يكون لدى اللاعب سبب مباشر للتفاعل معها.
وهنا تظهر المعادلة التي تحاول CD Projekt Red تحقيقها: استخدام الأنظمة التلقائية لمنح العالم حياة مستمرة، مع الاستعانة بالتفاصيل المصممة يدويًا عندما تكون هناك حاجة إلى كسر النمطية وإضافة لمسات أكثر تميزًا.
وقد أشارت الشركة في مناسبات سابقة إلى أن الفرق بين الشخصيات المصممة يدويًا وتلك التي تعتمد على الأنظمة والذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون كبيرًا للغاية.
في النهاية، لا يحتاج اللاعب إلى معرفة أن كل منزل يحتوي على جدول زمني مفصل لكل شخص يعيش فيه، كما أنه ليس من الضروري أن يمتلك كل بحار في الميناء قصة خلفية طويلة.
ما يحتاجه اللاعب هو شيء أبسط بكثير: أن يصدق أن هذا العالم موجود فعلًا حتى عندما لا ينظر إليه.
وهنا يكمن سر العوالم المفتوحة الناجحة. فالمسألة لا تتعلق بعدد التفاصيل التي يستطيع المطور إضافتها، وإنما باختيار التفاصيل التي يمكن للاعب ملاحظتها، ثم جعلها تتصرف بطريقة منطقية عندما يحاول اختبار حدود العالم.
وربما لا يوجد مثال أفضل على ذلك من أحد أكثر أخطاء The Witcher 3 طرافة؛ فالمشكلة لم تكن وحشًا عالقًا داخل جدار أو شخصية تمشي في الهواء، بل أمهات يهربن من Geralt تاركات أطفالهن خلفهن.
خطأ صغير، لكنه كان كفيلًا بكسر وهم عالم حي بالكامل، وهو بالضبط النوع من المشاكل التي كانت CD Projekt Red تحاول التخلص منها أثناء بناء واحدة من أكثر العوالم المفتوحة شهرة في تاريخ الألعاب.
ليست هناك تعليقات: